كل الحراج/دورات تدريبية/تعليم وتدريب

حين يلتقي الإخلاص بالانضباط قراءة في واقع العمل الخيري

Riyadh
Updated 20 hr. ago
A
حين يلتقي الإخلاص بالانضباط: قراءة في واقع العمل الخيري المؤسسي المعاصر بقلم: علاء أبو أنس في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، لم يعد العمل الخيري قائمًا على المبادرات الفردية وحدها، بل أصبح يتخذ طابعًا مؤسسيًا منظمًا، تُدار فيه الجهود وفق أطر واضحة، وتُبنى على أسس تجمع بين الإخلاص في المقصد والانضباط في الأداء. هذا التحول لم يكن مجرد تطور شكلي، بل هو ضرورة فرضتها طبيعة المرحلة؛ إذ لم يعد كافيًا أن تكون النية صادقة، بل أصبح من الواجب أن تُترجم إلى عمل منظم يحقق أثرًا مستدامًا، ويصل إلى مستحقيه بكفاءة وعدالة. ومن الناحية الشرعية، يتسع العمل الخيري المؤسسي لعدة تكييفات؛ فقد تمثل المؤسسة دور الوكيل عن المتبرعين في إيصال أموالهم، أو تكون نائبة عن الفقراء في تحصيل حقوقهم، أو تقوم بوظيفة النيابة عن وليّ الأمر في بعض مجالات النفع العام، بل وقد تنهض بدور جماعي عن عموم المسلمين في تحقيق فروض الكفايات. وهذا التنوع يعكس مرونة هذا المجال، وقدرته على التكيف مع احتياجات الواقع. وفي المقابل، فإن هذا الاتساع لا يلغي حقيقة أساسية، وهي أن العمل الخيري المؤسسي محكوم بالأنظمة والضوابط التي تنظمه وتحفظ مساره. فهذه الأنظمة لا تقف عائقًا أمام الخير، بل تمثل إطارًا يحميه من العشوائية، ويضمن استمراريته، ويعزز من ثقة المجتمع به. ومع ذلك، فإن طبيعة هذا العمل تفرض أحيانًا قدرًا من المرونة، خاصة في الحالات التي تستدعي سرعة الاستجابة أو تغيب فيها الجهات القائمة على العمل، أو تظهر فيها حاجة ملحّة لا تحتمل التأخير. وهنا يبرز دور الفقه في الموازنة بين الالتزام بالأنظمة وتحقيق المصلحة، دون إفراط يخل بالنظام، أو تفريط يضيع المقصد. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إطلاق المبادرات بقدر ما يكمن في إدارتها بكفاءة، وبناء نماذج مؤسسية تجمع بين صدق النية وحسن التنفيذ، وتوازن بين ثبات المنهج ومرونة التطبيق. وفي المحصلة، فإن العمل الخيري المؤسسي ليس مجرد نشاط، بل أمانة كبرى؛ أمانة في المال، وأمانة في الأثر، وأمانة في تمثيل هذا الدين. وإذا أُديت هذه الأمانة كما ينبغي، بقي أثرها، وامتد نفعها، وكان أجرها – بإذن الله – جاريًا لا ينقطع.