كل الحراج/دورات تدريبية/تعليم وتدريب

السكرتير ليس ناقلًا للتوجيهات بل حارسًا لذاكرة المؤسسة

مكه
تحديث قبل ٣ أيام
A
بقلم: علاء أبو أنس (متخصص في الأوقاف والقطاع غير الربحي، والبناء المؤسسي وتطوير المشروعات والمبادرات). عندما يُذكر السكرتير التنفيذي، يتبادر إلى الذهن غالبًا تنظيم المواعيد، وإعداد الخطابات، وتنسيق الاجتماعات، وكتابة المحاضر ومتابعة المراسلات. وكلها أعمال مهمة، لكنها لا تختصر حقيقة هذا الدور. ففي المؤسسات والجمعيات والأوقاف، هناك جانب أراه من أهم أدوار السكرتير التنفيذي، وهو: حفظ الذاكرة المؤسسية. فالمؤسسة لا تعمل بيومها فقط؛ وراء كل قرار سياق، وخلف كل معاملة إجراء سابق، ولكل مشروع مراسلات ومحاضر وتوجيهات والتزامات ومواعيد ينبغي ألا تضيع مع مرور الوقت أو تغير الأشخاص. قد يصدر قرار في اجتماع اليوم، ولا تظهر آثاره إلا بعد أشهر. وقد يصل خطاب يحتاج إلى متابعة، أو يُبرم عقد له موعد تجديد، أو تصدر توصية تحتاج إلى تنفيذ، أو تبدأ معاملة تنتقل بين أكثر من جهة قبل اكتمالها. وهنا لا يكفي أن يكون المستند محفوظًا في ملف. المهم أن نعرف: لماذا بدأ الموضوع؟ ماذا تقرر بشأنه؟ من المسؤول عنه؟ ما الذي تم تنفيذه؟ وما الذي لا يزال معلقًا؟ وهنا يظهر الفرق بين حفظ الملفات وحفظ ذاكرة المؤسسة. فالأرشيف الجيد يخبرك بما حدث، أما الذاكرة المؤسسية الجيدة فتساعدك على معرفة لماذا حدث، وماذا ترتب عليه، وإلى أين وصل مساره. ومن هنا، فالسكرتير التنفيذي المحترف لا ينظر إلى المحضر على أنه أوراق تُحفظ بعد الاجتماع، ولا إلى الخطاب على أنه معاملة تنتهي بمجرد إرسالها، ولا إلى التوجيه على أنه مهمة انتهت بمجرد تدوينها. بل ينظر إلى العمل باعتباره مسارًا متصلًا؛ يبدأ بالقرار، ثم تحديد المسؤول عنه، وتنفيذ الإجراء، ومتابعته، وحفظ مستنداته، حتى الوصول إلى النتيجة. وأي خلل في هذا المسار قد يعني بعد فترة قرارًا لم يُنفذ، أو معاملة لم تُستكمل، أو التزامًا نُسي، أو جهدًا يُعاد من البداية. وتزداد أهمية هذا الدور في الأوقاف والجمعيات والكيانات غير الربحية؛ لأن كثيرًا من أعمالها يمتد لسنوات، وتتغير خلالها مجالس الإدارات أو القيادات التنفيذية أو العاملون واللجان، بينما تبقى الالتزامات والقرارات والمشروعات. لذلك فإن قوة المؤسسة لا تظهر فقط في قدرتها على اتخاذ القرارات، وإنما أيضًا في قدرتها على حفظ سياق تلك القرارات، ومتابعة تنفيذها، وتحويلها إلى نتائج يمكن قياسها والرجوع إليها. وهنا يصبح السكرتير التنفيذي جزءًا من استمرارية المؤسسة، لا مجرد منظم لأعمالها اليومية. فالسكرتير التنفيذي المتميز لا يسأل فقط: ماذا طُلب مني اليوم؟ بل يسأل أيضًا: ماذا بقي من الأمس؟ وما الذي يجب متابعته غدًا؟ وهذه - في نظري - إحدى أهم الفروق بين من يؤدي أعمال السكرتارية، ومن يمارس السكرتارية التنفيذية بمفهومها المؤسسي. الخلاصة: قد تتغير الوجوه والمناصب، لكن المؤسسة القوية لا ينبغي أن تفقد ذاكرتها بتغير الأشخاص. ولهذا فإن من أهم ما يقدمه السكرتير التنفيذي لمؤسسته أن يجعل القرارات والمعاملات والتوجيهات مسارًا متصلًا يمكن تتبعه، لا أحداثًا متفرقة يصعب استعادتها. فالسكرتير التنفيذي لا يحفظ الملفات فقط... بل يحفظ سياق العمل، ويتابع امتداد القرارات، ويحرس ذاكرة المؤسسة حتى لا تبدأ من
السكرتير ليس ناقلًا للتوجيهات بل حارسًا لذاكرة المؤسسة 0