بقلم: علاء أبو أنس
في العمل الإداري تفتح كل يوم دوائر كثيرة. اجتماع ينتهي بقرار. خطاب يخرج منتظرًا جوابًا. تكليف يسند إلى مسؤول. معاملة تبدأ مسارها. توصية تسجل في محضر. عقد يرتبط بموعد. ومشروع ينتظر خطوة تالية.
المشكلة ليست في فتح هذه الدوائر، فهذا جزء طبيعي من العمل. المشكلة أن تبقى مفتوحة، ثم تمر الأيام ويظن كل طرف أن طرفًا آخر يتابعها.
وهنا تظهر مهارة أراها من أهم مهارات السكرتير التنفيذي المحترف. فن إغلاق الدوائر المفتوحة.
وإغلاق الدائرة لا يعني أن يقوم السكرتير بأعمال الآخرين، ولا أن يتجاوز صلاحياته، وإنما أن يدرك أن لكل موضوع بدأ مسارًا ينبغي متابعته حتى يصل إلى نتيجة أو موقف واضح.
متى تغلق الدائرة؟
فالاجتماع لا تنتهي قيمته عند إعداد المحضر واعتماده. بعده قرارات وتوصيات وتكليفات تحتاج إلى متابعة. والخطاب لا تنتهي رحلته بمجرد تسجيله في الصادر. قد ينتظر ردًا أو إجراءً أو استكمالًا.
والتكليف لا يغلق بمجرد إرساله إلى المسؤول، بل عندما يتضح ما تم بشأنه وما انتهى إليه. والمعاملة لا يكفي أن نعرف أنها بدأت، بل أين وصلت وما الذي أوقفها إن توقفت.
وحتى التعثر له دائرة ينبغي إغلاقها. فقد لا ينفذ أمر ما لسبب نظامي أو مالي أو لعدم الموافقة عليه، المهم ألا يبقى معلقًا في مساحة مجهولة لا نعرف هل انتهى أم نسي أم ما زال ينتظر أحدًا.
ومن هنا يظهر الفرق بين سكرتير يتابع مسار العمل، وسكرتير يكتفي بمتابعة القوائم. الأول يرى خلف كل بند مسارًا، والثاني قد يكتفي بوضع علامة أمام المهمة ثم ينتقل إلى غيرها.
دوائر أكثر حساسية في القطاع غير الربحي
وفي الأوقاف والجمعيات والكيانات غير الربحية تزداد أهمية هذه المهارة. فهناك قرارات مجالس ولجان، ومبادرات ومشروعات، ومراسلات مع جهات داعمة ومانحة، وعقود والتزامات ومواعيد قد تمتد لأشهر أو سنوات. وإذا بقيت بعض هذه الدوائر مفتوحة دون متابعة واضحة، فقد تتحول مع الوقت إلى قرار لم ينفذ، أو فرصة فاتت، أو التزام نسي، أو عمل يعاد من البداية.
كيف يعرف السكرتير أن الدائرة ما زالت مفتوحة؟
ولا يحتاج إغلاق الدوائر دائمًا إلى أنظمة معقدة، أحيانًا يبدأ الأمر بمجموعة أسئلة لا ينبغي أن يغلق السكرتير الموضوع قبل أن يعرف إجاباتها.
ماذا حدث بعد ذلك. من يتابع. ما الموعد. أين وصل الموضوع. ما الذي بقي. وهل انتهى فعلًا أم توقف فقط.
هذه الأسئلة البسيطة تصنع فرقًا كبيرًا؛ لأنها تنقل السكرتارية من تسجيل ما يحدث إلى متابعة امتداده.
والأهم أن إغلاق الدائرة لا يعني إغلاق الملف فقط. فقد يغلق الملف ورقيًا بينما يبقى العمل مفتوحًا، وقد تنتهي المعاملة دون النتيجة التي بدأت من أجلها. لذلك فإغلاق الدائرة يعني أن يكون للمؤسسة موقف واضح من الموضوع، ونتيجة موثقة يمكن الرجوع إليها، سواء اكتمل العمل أو تعذر أو تأجل أو اتخذ بشأنه قرار آخر.
السكرتير التنفيذي المحترف لا يقاس فقط بسرعة استجابته لما يصل إليه اليوم، بل بقدرته على ألا يترك خلفه أعمالًا بدأت ثم اختفت من المتابعة.
فالمؤسسات لا تتعثر دائمًا بسبب قرارات خاطئة. أحيانًا يكون القرار صحيحًا، والتكليف واضحًا، والبداية جيدة، لكن المشكلة أن دائرة فُتحت ولم يتابع أحد إغلاقها.
وهنا تظهر قيمة السكرتير التنفيذي. أن يعرف ما الذي بدأ، وما الذي اكتمل، وما الذي ما زال مفتوحًا، وألا يسمح للعمل أن يضيع في المسافة بين التوجيه والنتيجة.
ففي العمل المؤسسي، ليست المهارة أن نفتح دوائر أكثر، بل أن نعرف كيف ومتى نغلق ما فتحناه.
______
متخصص في الأوقاف والقطاع غير الربحي والبناء المؤسسي وتطوير المشروعات